ابن الجوزي

55

زاد المسير في علم التفسير

قوله تعالى : ( وكذلك نجزي المحسنين ) أي : كما جزينا إبراهيم على توحيده وثباته على دينه ، بأن رفعنا درجته ، ووهبنا له أولادا أنبياء أتقياء ، كذلك نجزي المحسنين . فأما عيسى ، وإلياس ، واليسع ، ولوطا ، فأسماء أعجمية ، وجمهور القراء يقرؤون " اليسع " بلام واحدة مخففة ، منهم ابن كثير ، ونافع ، وعاصم ، وأبو عمرو وابن عامر . وقرأ حمزة ، والكسائي هاهنا وفي ( ص ) : " إلليسع " بلامين مع التشديد . قال الفراء : وهي أشبه بالصواب ، وبأسماء الأنبياء من بني إسرائيل ، ولأن العرب لا تدخل على " يفعل " ، إذا كان في معنى فلان ، ألفا ولاما ، يقولون : هذا يسع قد جاء ، وهذا يعمر ، وهذا يزيد ، فهكذا الفصيح من الكلام . وأنشدني بعضهم . وجدنا الوليد بن اليزيد مباركا * شديدا بأحناء الخلافة كاهله فلما ذكر الوليد بالألف واللام ، أتبعه يزيد بالألف واللام ، وكل صواب . وقال مكي : من قرأه بلام واحدة ، فالأصل عنده : يسع ، ومن قرأه بلامين ، فالأصل عنده : ليسع ، فأدخلوا عليه حرف التعريف . وباقي أسماء الأنبياء قد تقدم بيانها ، والمراد بالعالمين : عالمو زمانهم . قوله تعالى : ( ومن آبائهم وذرياتهم ) " من " هاهنا للتبعيض . قال الزجاج : المعنى : هدينا هؤلاء ، وهدينا بعض آبائهم وذرياتهم . ( واجتبيناهم ) مثل اخترناهم واصطفيناهم ، وهو مأخوذ من جبيت الشئ : إذا أخلصته لنفسك . وجبيت الماء في الحوض : إذا جمعته فيه . فأما الصراط المستقيم ، فهو التوحيد . ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ( 88 ) قوله تعالى : ( ذلك هدى الله ) قال ابن عباس : ذلك دين الله الذي هم عليه ( يهدي به من يشاء من عباده ) ( ولو أشركوا ) يعني الأنبياء المذكورين ( لحبط ) أي : لبطل وزال عملهم ، لأنه لا يقبل عمل مشرك . أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين ( 89 ) قوله تعالى : ( أولئك الذين آتيناهم الكتاب ) يعني الكتب التي أنزلها عليهم . والحكم : الفقه ، والعلم ( فإن يكفر بها ) يعني بآياتنا . وفيمن أشير إليه ب‍ " هؤلاء " ثلاثة أقوال : أحدها : أنهم أهل مكة ، قاله ابن عباس ، وسعيد بن المسيب ، وقتادة .